تكشف الدكتورة أميرة معمري، الأخصائية النفسية في مستشفى الرازي، حقيقة تستحق التأمل: "تخيلوا أنّ ما بين 40% إلى 80% من الأمهات يمرن بفترة مزاجية منخفضة بعد الولادة، ومن بينهن 15% قد يواجهن تحدّي اكتئاب ما بعد الولادة." هذه الأرقام تؤكد أهمية توفير الدعم المناسب لكل أمٍّ جديدة، خاصة من يعانين من اكتئاب ما بعد الولادة.
وتضيف الدكتورة بنبرة حزينة: "ولكن للأسف، كثير من الأمهات يحملن همومهن في صمت. يشعرن بالخجل من مشاعرهن، معتقدات أنهن أخفقن في تحقيق أمومتهن منذ البداية ويا له من إخفاق! والمفارقة أنّ حبهن العميق لأطفالهن وقلقهن عليهم يزيد من شدة هذا الضغط وتتراكم في قلوبهن المشاعر السلبية. فعندما تتعثر الرضاعة الطبيعية أو يكثر بكاء الطفل، تشعر الأم وكأنها عاجزة عن فعل أيِّ شيء كما يجب."
توضح الدكتورة معمري بتعاطف: "قد تبدو الأم حزينة، كثيرة البكاء، مشتتة الذهن. وقد تعاني حتى من اضطرابات في النوم والشهية، وربما تصبح سريعة الانفعال أو حتى عدوانية ومرتبكة. كلّ هذه علامات تنبئ بأنّها تحتاج للسند الحقيقي." ثم تحذر قائلة: "إذا استمرت هذه الأعراض أو تفاقمت لأكثر من أسبوعين أو ثلاثة، فقد يكون هذا مؤشرًا على تحول حالة 'كآبة ما بعد الولادة' البسيطة إلى اكتئاب شامل عن حقٍّ وحقيقة." كثيرًا ما تحاول الأم إخفاء معاناتها خلف قناع السعادة، لكن في أعماقها قد تكون غارقة في مشاعر الإنهاك واليأس والحزن العميق.
ثمّ تصف الدكتورة معمري الأمهات قائلة: "إنهن كالصخور ثباتا في قوتهن، لكنهن أيضًا كالزهور في رقتهن. غالبًا ما يخفين ضعفهن عن العالم، لذا من الضروري أن يعاملهن المحيطون بهن برفق وتفهم. بدلاً من الضغط عليهن، يمكن تقديم الدعم العملي البسيط كأخذ الطفل في نزهة لتتمكن الأم من تحصيل بعض الوقت للاستحمام أو تناول وجبة بهدوء." وعلى الرغم من أنّ الأصدقاء والعائلة والشركاء ليسوا بديلاً عن مقدم الرعاية، إلا أنهم يستطيعون المساعدة في طمأنة الأم بأنها ليست لوحدها وأنّ لديها شخصًا للتحدث إليه إذا رغبت في ذلك.
تشرح الدكتورة معمري: "قدوم الطفل الأول يقلب حياة المرأة رأسًا على عقب، حتى مع وجود شريك داعم ورائع." وتؤكد: "أول وأهم خطوة هي الصدق مع النفس والاعتراف بوجود مشكلة. ثمّ تأتي خطوة طلب الدعم والتعبير عن المشاعر." وتضيف من واقع خبرتها: "صدّقوني، إنّ مجرد البوح بما في القلب يجلب راحة كبيرة للأم، خاصة عندما تدرك أنها ليست وحيدة في هذه التجربة الجديدة."
يرجى أن تتذكري على الدوام أنّ ملايين الأمهات حول العالم يشاركنك هذه المشاعر. وعلى الرغم من صعوبة الاعتراف بذلك أحيانًا، هناك دائمًا من هم مستعدون للاستماع والدعم، سواء كانوا من أفراد العائلة والأصحاب أو المتخصصين. ثم تقترح الدكتورة معمري: "غالبًا ما تكون الأم نفسها الشخص الأنسب للتحدث إليه. فهي من يمكنها احتضانك ومواساتك بحنان وخبرة السنين." أمّا عن الأب أو الشريك فقد يكون هو الآخر مغمورًا بمشاعر الأبوة الجديدة، وقد يغفل عن احتياجات شريكته العاطفية. لذا تنصح الدكتورة معمري: "الرجال غالبًا ما يلجؤون لغمر أنفسهم في العمل أو الهوايات هربًا من مشاعرهم المقلقة، أو يحاولون التعامل مع الأمور بمفردهم. لكن من المهم أن يدركوا أنهم أيضًا بحاجة للدعم إذا شعروا بالإرهاق."
تختم الدكتورة أميرة بتحذير جاد: "من المذهل كيف يمكن لهذا الكائن الصغير أن يحدث زلزالاً عاطفيًا حتى في أكثر الأشخاص ثبوتا ورسوخا. لكن هذا النوع من الشخصيات بالذات هو من يجد صعوبة في الاعتراف بحاجته للمساعدة." وتضيف: "قد يبدو التعامل مع الأمور بمفردك ناجحًا على المدى القصير والمتوسط، لكن على المدى الطويل، ستظهر آثار الضغط النفسي حتمًا." ثم تكشف بقلق: "إنّ حوالي 89% من الأمهات المصابات باكتئاب ما بعد الولادة واللاتي لا يطلبن المساعدة قد تراودهن أفكار انتحارية. لهذا من المهم جدا طلب المساعدة فورًا."
ملاحظة: إنّ مخابر فارماليس هي مخابر متخصصة في مجال تغذية الرضع. ونحن نتعاون عن كثب مع علماء النفس والأطباء النفسيين ومتخصصي الرعاية الصحية والخبراء. ومع ذلك، لا يمكننا أن نحل محلهم. إذا كنت تشكين في إصابتك بالاكتئاب أو تشعرين بأنّك لست على طبيعتك المعهودة، فالتمسي لطفا المشورة الطبية على الفور.
إذا ساورتك الشكوك والهموم، فلا تترددي في التواصل مع متخصص مهني في المجال أو إجراء اختبار مقياس إدنبرة لاكتئاب ما بعد الولادة (Edinburgh Postnatal Depression Scale - EPDS): www.fresno.ucsf.edu/pediatrics/downloads/edinburghscale.pdf
إنّ صحتك النفسية هي حجر الأساس لسعادتك وسعادة أسرتك الصغيرة، فيرجى الانتباه لها.